علي محمد علي دخيل
676
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
ورسوله يغفر لكم ذنوبكم وَيُجِرْكُمْ أي ويخلصكم مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ قال عليّ بن إبراهيم : فجاءوا إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فآمنوا به ، وعلّمهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم شرائع الإسلام ، وأنزل اللّه سبحانه : قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ إلى آخر السورة ، وكانوا يفرّون إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله في كل وقت ؛ وفي هذا دلالة على أنه كان مبعوثا إلى الجن كما كان مبعوثا إلى الانس ، ولم يبعث اللّه نبيّا إلى الإنس والجن قبله وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ أي لا يعجز اللّه فيسبقه ويفوته وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أي أنصار يمنعونه من اللّه ، ويدفعون عنه العذاب إذا نزل بهم أُولئِكَ يعني الذين لا يجيبون داعي اللّه فِي ضَلالٍ مُبِينٍ أي عدول عن الحق ظاهر . ثم قال سبحانه منبّها على قدرته على البعث والإعادة فقال أَ وَلَمْ يَرَوْا أي أو لم يعلموا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وأنشأهما وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ أي لم يصبه في خلق ذلك اعياء ولا تعب بِقادِرٍ عَلى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتى أي فخلق السماوات والأرض أعجب من إحياء الموتى . ثم قال بَلى هو قادر عليه إِنَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ثمّ عقّبه بذكر الوعيد فقال وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَ لَيْسَ هذا بِالْحَقِّ أي يقال لهم على وجه الاحتجاج عليهم : أليس هذا الذي جوزيتم به حق لا ظلم فيه قالُوا أي فيقولون : بَلى وَرَبِّنا اعترفوا بذلك وحلفوا عليه بعد ما كانوا منكرين قالَ فَذُوقُوا الْعَذابَ بِما كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ أي بكفركم في الدنيا وانكاركم ، ثم قال لنبيّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فَاصْبِرْ كَما صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ أي فاصبر يا محمد على أذى هؤلاء الكفار ، وعلى ترك إجابتهم لك كما صبر الرسل ، ومن هاهنا لتبيين الجنس كما في قوله : فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ ، وعلى هذا القول فيكون جميع الأنبياء هم أولو العزم ، لأنهم عزموا على أداء الرسالة ، وقيل : ان من هاهنا للتبعيض ، ثم اختلفوا فقيل : أولو العزم من الرسل من أتى بشريعة مستأنفة نسخت شريعة من تقدمه وهم خمسة ، أولهم نوح ، ثم إبراهيم ، ثم موسى ، ثم عيسى ، ثم محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، عن ابن عباس وقتادة ، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد اللّه عليهما السلام قال : وهم سادة النبيين ، وعليهم دارت رحا المرسلين ، وقيل : هم ستة : نوح صبر على أذى قومه ، وإبراهيم صبر على النار ، وإسحاق صبر على الذبح ، ويعقوب صبر على فقد الولد ، وذهاب البصر ، ويوسف صبر في البئر والسجن ، وأيوب صبر على الضر والبلوى ، عن مقاتل ، وقيل : هم الذين أمروا بالجهاد والقتال ، وأظهروا المكاشفة ، وجاهدوا في الدين ، عن السدي والكلبي ، وقيل : هم إبراهيم وهود ونوح ، ورابعهم محمد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، عن أبي العالية . والعزم هو الوجوب والحتم ، وأولو العزم من الرسل هم الذين شرعوا الشرائع ، وأوجبوا على الناس الأخذ بها ، والانقطاع عن غيرها وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ أي ولا تستعجل لهم العذاب فإنه كائن واقع بهم عن قريب كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ ما يُوعَدُونَ من العذاب في الآخرة لَمْ يَلْبَثُوا في الدنيا إِلَّا ساعَةً مِنْ نَهارٍ أي إذا عاينوا العذاب صار طول لبثهم في الدنيا والبرزخ كأنّه ساعة من نهار ، لأن ما مضى كأن لم يكن وإن كان طويلا وتمّ الكلام . ثم قال بَلاغٌ أي هذا القرآن وما فيه من البيان بلاغ من اللّه إليكم ، والبلاغ : بمعنى التبليغ فَهَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الْفاسِقُونَ أي لا يقع العذاب إلّا بالعاصين الخارجين من أمر اللّه تعالى وقيل معناه لا يهلك على اللّه تعالى إلّا هالك مشرك ولّى ظهره الإسلام ، أو منافق صدّق بلسانه وخالف بعمله عن قتادة وقيل معناه : لا يهلك مع رحمة اللّه وتفضله إلّا